القطاع

    منحنى الأحمال في رمضان: كيف تعيد مرافق الكهرباء الخليجية هندسة الشبكة خلال الشهر الفضيل

    7 دقائق قراءة
    العودة إلى الأخبار والرؤى

    تحت وهج شمس شبه الجزيرة العربية المتلألئة، يرتفع عادةً استهلاك الطاقة مع صعود الشمس في الأفق. فقد اعتاد المهندسون في غرف التحكم لدى كبرى شركات المرافق في الخليج على الإيقاع المتواصل للطلب على تكييف الهواء، والذي يتتبع حركة الترمومتر من الفجر حتى يبلغ ذروته في وقت متأخر من الظهيرة. ولكن، وبمجرد رؤية هلال شهر رمضان المبارك، تطرأ على فيزياء الشبكة الكهربائية حالة من التحول الجذري؛ فجأة، يزداد عمق "وادي الاستهلاك المنخفض" خلال النهار مع تباطؤ النشاط التجاري وصيام المؤمنين، ثم وفي لحظة أذان المغرب، تندفع ذروة الطلب بقوة تشبه موجة تسونامي عاتية.

    تمثل هذه الظاهرة، المعروفة لدى فرق العمليات باسم "منحنى أحمال رمضان"، أحد أكثر التحديات الهندسية تميزاً في العالم. إنها فترة تعيد صياغة القواعد التقليدية لذروة الطلب؛ فبدلاً من الصعود التدريجي، تشهد الشبكة طفرة رأسية شبه عمودية مع وصول أنظمة الإنارة، والتبريد، وتجهيزات الطهي على نطاق صناعي إلى طاقتها القصوى في وقت واحد بعد غروب الشمس. بالنسبة لشركات المرافق، لا يعد هذا مجرد تحول ثقافي، بل هو اختبار عالي المخاطر لمرونة المحولات وموثوقية قواطع التيار (Switchgear).

    تشريح طفرة ما بعد الغروب

    تتطلب إدارة منحنى أحمال رمضان الابتعاد عن نماذج النمذجة الموسمية القياسية. ففي أشهر الصيف المعتادة، تحدث الذروة عادةً بين الساعة 2:00 والـ 4:00 عصراً. أما خلال الشهر الفضيل، فتنتقل تلك الذروة إلى ساعات المساء المتأخرة والصباح الباكر، مما يخلق ملفاً تعريفياً بـ "سنام ذروة مزدوج": الطفرة الأولى عند الإفطار، والثانية -التي غالباً ما تكون أكثر استدامة- خلال وقت السحور.

    يضع هذا التحول ضغوطاً حرارية هائلة على محولات التوزيع. فالمحولات مصممة لتشتيت الحرارة عبر دورة تبريد محددة، تخضع عادةً لملفات درجة الحرارة المحيطة الموضحة في المعيار IEEE C57.91 (دليل تحميل المحولات المغمورة في الزيت المعدني). ومع ذلك، عندما تحدث ذروة الطلب ليلاً -وهو الوقت المفترض لتبريد المعدات- تصبح "الذاكرة الحرارية" للوحدة عبئاً عليها. فإذا ظلت درجة الحرارة المحيطة مرتفعة ولم ينخفض الحمل بشكل ملموس بين الإفطار والسحور، فإن عمر عزل المحول قد يتدهور بمعدل متسارع.

    ولمواجهة ذلك، تتبع شركات المرافق في الخليج استراتيجيات متطورة للتنبؤ بالأحمال، حيث تستخدم البيانات التاريخية لتوقع الدقيقة التي ستضرب فيها الطفرة، مما يضمن مزامنة "الاحتياطي الدوار" وجاهزيته. الأمر لا يتعلق فقط بتوفير الميجاواط الكافي، بل يتعداه إلى تعويض القدرة غير الفعالة (Reactive Power Compensation) المطلوبة للحفاظ على استقرار الجهد مع دخول ملايين الأحمال الحثية -ومعظمها ضواغط تكييف الهواء- إلى الخدمة في آن واحد.

    الهندسة لمواجهة التطرف الحراري بموجب IEC 60076

    في منطقة مجلس التعاون الخليجي، لا تُصنع المعدات وفقاً للمعايير فحسب، بل يتم تصميمها "بإفراط هندسي" من أجل البقاء. وبينما توفر اللجنة الكهرتقنية الدولية (IEC) الإطار العام، فإن المواصفات المحلية التي تضعها شركات المرافق الإقليمية هي ما يحدد العمود الفقري للشبكة. وبوجه خاص، يجب أن تلتزم المحولات المخصصة لهذه البيئة بصرامة بالمعيار IEC 60076-2، الذي يحدد حدود ارتفاع درجة حرارة المحولات المغمورة في السوائل.

    وبينما قد يقترح المعيار القياسي زيادة قدرها 65 كلفن (65K) في درجة حرارة الزيت العلوي للمناخات المعتدلة، فإن شركات المرافق في السعودية أو الإمارات تضع متطلبات أكثر صرامة لمراعاة تحول أحمال رمضان. ولأن الذروة تحدث عند غياب الشمس مع بقاء الهواء ساخناً، فإن غياب الإشعاع الشمسي يعوضه الحجم الهائل للتيار المتدفق عبر الملفات.

    يجب على المهندسين مراعاة درجات حرارة "النقطة الساخنة" (Hot Spot) داخل الملفات. فإذا تجاوزت الحرارة الداخلية حدود عزل الورق المطور حرارياً، يمكن أن تتكون فقاعات غازية في الزيت، مما يؤدي إلى انهيار العزل الكهربائي (Dielectric Failure). يركز مهندسو مجموعة ETS على دقة هذه التصاميم الحرارية، لضمان أن زعانف التبريد ومجموعات المشعات (Radiators) مصممة ليس فقط للحمل المتوسط، بل لدورات التحميل القاسية التي نشهدها خلال هذه الثلاثين يوماً.

    تحدي القواطع الكهربائية: التبديل عالي التردد

    ليست المحولات وحدها هي التي تشعر بوطأة الحرارة؛ فأنظمة القواطع والحماية عبر شبكة التوزيع تتعرض لعمليات ميكانيكية وكهربائية مكثفة خلال رمضان. ومع انتقال مراكز الأحمال من المناطق الصناعية إلى "الخيام" السكنية والتجارية أو مناطق الزينة والاحتفالات، يجب أن يتسم تكوين الشبكة بالمرونة.

    يجب أن تكون قواطع الجهد المتوسط، الخاضعة للمعيار IEC 62271-200، قادرة على التعامل مع هذه الأحمال المتقلبة دون تآكل مفرط في ملامسات قاطع الدائرة. وفي العديد من مدن الخليج، تنشر المرافق محطات فرعية مؤقتة -يشار إليها غالباً باسم "Package Subs"- لتعزيز الشبكة في المناطق التي تشهد تجمعات مجتمعية. يجب أن تكون هذه الوحدات المتنقلة قوية بما يكفي ليتم وضعها في بيئة رملية، وتوصيلها، وتشغيلها بنسبة 100% من طاقتها لساعات متواصلة.

    تعد موثوقية غاز سداسي فلوريد الكبريت (SF6) أو القواطع المفرغة (Vacuum Interrupters) أمراً بالغ الأهمية. فالفشل في محطة رئيسية خلال أمسية رمضانية في وقت الذروة يتجاوز كونه عطلاً فنياً؛ بل هو اضطراب كبير في النسيج الاجتماعي. لذلك، يتم إنجاز دورات الصيانة الوقائية عادةً قبل أشهر من الموعد، لضمان إحكام كل مسمار ومعايرة كل مرحل (Relay) قبل ظهور الهلال.

    التشوه التوافقي في شبكة الاحتفالات

    أحد الجوانب التي غالباً ما يتم إغفالها في منحنى حمل رمضان هو التغير في جودة الطاقة المستهلكة. فمع التدفق الهائل لإضاءة الزينة LED، وشاشات LED الضخمة، وعدد لا يحصى من الأجهزة الإلكترونية المستخدمة خلال المساء، يتغير ملف التوافقيات (Harmonics) للحمل. هنا يأتي دور معايير مثل IEEE 519، التي تضع حدوداً للتشوه التوافقي في نظام الطاقة.

    تسحب الأحمال غير الخطية التيار في نبضات بدلاً من موجات جيبية سلسة، مما يخلق "توافقيات ثلاثية" (Triplen Harmonics) (الثالثة، التاسعة، الخامسة عشرة، إلخ) والتي يمكن أن تتراكم في الموصل المحايد (Neutral) للنظام ثلاثي الأطوار. وفي محولات التوزيع، تسبب هذه التوافقيات زيادة في خسائر التيارات الدوامة وتسخيناً غير طبيعي.

    للتخفيف من ذلك، غالباً ما يحدد مخططو المرافق محولات ذات تصنيف "K-Factor" معين أو يستخدمون مجموعات اتجاهية من نوع "Dzn11" (Delta-Zigzag). وتعتبر ملفات الزيجزاج (Zigzag) فعالة بشكل خاص خلال رمضان لأنها تستطيع التعامل مع الأحمال غير المتوازنة وتيارات التوافقيات التي تميز الطفرات السكنية، مما يمنع "إزاحة المحايد" (Neutral Shift) التي قد تضر بالأجهزة الإلكترونية المنزلية الحساسة.

    المرونة من خلال الوفرة والتأريض

    يعد التأريض والربط في تربة الصحراء بدول مجلس التعاون الخليجي أمراً صعباً بسبب المقاومة النوعية العالية للتربة. وخلال الأحمال عالية الكثافة في رمضان، تصبح سلامة نظام التأريض حيوية للأمن واستقرار النظام. تتبع شركات المرافق المعايير BS EN 50522 أو ENATS 35-1 لتصميم أنظمة التأريض، وغالباً ما تستخدم أقطاباً عميقة أو مواد لتحسين التربة لضمان مسار منخفض المقاومة إلى الأرض.

    في حال حدوث عطل خلال ذروة الإفطار، يجب أن يكون نظام التأريض قادراً على تشتيت تيار العطل بأمان. وبدونه، قد تصبح جهود "الخطوة واللمس" في المناطق الحضرية المزدحمة مميتة. علاوة على ذلك، تتطلب كثافة الحمل درجة عالية من الوفرة بصيغة "N-1"؛ فإذا تعطل محول واحد في محطة فرعية تحت ضغط الحرارة، يجب أن تكون الوحدات المتبقية قادرة على تحمل العبء دون الانزلاق إلى انقطاع متسلسل للتيار.

    هذه الوفرة هي السبب في تفضيل العديد من مرافق الخليج لاستخدام وحدات الربط الحلقي (RMUs) في شبكات التوزيع الخاصة بها. فالقدرة على إعادة تكوين الحلقة بسرعة تضمن أنه حتى لو تعطل جزء من الكابل أو محول واحد، يمكن استعادة الطاقة عبر مسار بديل في غضون دقائق، وغالباً قبل أن ينتهي وقت الوجبة.

    تطور التنبؤ بالأحمال

    لقد غير التحول الرقمي للشبكة نظرة شركات المرافق للشهر الفضيل. ففي العقود السابقة، اعتمد المهندسون على الهندسية التقليدية—بمجرد بناء محولات أكبر وأثقل. أما اليوم، فالنهج أكثر دقة؛ حيث توفر العدادات الذكية وأجهزة استشعار إنترنت الأشياء (IoT) بيانات في الوقت الفعلي يتم تغذيتها في نماذج التنبؤ بالأحمال المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

    من خلال تحليل حركة الأفراد والتوقيت الدقيق للصلوات، يمكن للمرافق التنبؤ بالضبط بمكان "النقطة الساخنة" القادمة على الشبكة. يتيح ذلك تخفيف الأحمال الاستباقي في القطاعات الصناعية غير الحيوية لإعطاء الأولوية للمغذيات السكنية والمستشفيات. كما يسمح بالنشر الاستراتيجي لأنظمة تخزين الطاقة بالبطاريات (BESS) لتقليل ذروة منحنى رمضان، مما يخفف الضغط الحراري عن البنية التحتية المتقادمة.

    والنتيجة هي شبكة لا يشعر بها أحد؛ حيث تجتمع العائلات، وتتوهج المدن، وتستمر آلات العالم الحديث في العمل بهدوء في الخلفية. إن هذا لشهادة على الالتزام الصارم بالمعايير الهندسية وبعد نظر المخططين الذين يدركون أن الشبكة ليست مجرد مجموعة ساكنة من الأسلاك، بل هي انعكاس حي للثقافة التي تخدمها.

    ربما يكون منحنى أحمال رمضان هو دراسة الحالة الأمثل لبيان سبب عدم كفاية المعدات "القياسية" في منطقة الشرق الأوسط. فهو يتطلب استيعاباً بأن درجة حرارة 50 مئوية ليست حالة شاذة بل هي خط الأساس، وأن الذروة التي تصل عند منتصف الليل تتطلب جهداً هندسياً لا يقل عما تتطلبه ذروة الظهيرة. ومن خلال دقة التصنيع المتوافق مع معايير IEC وحزم اختبارات المرافق، تظل الأضواء مشتعلة، مما يضمن بقاء التركيز على روحانية الشهر لا على ميكانيكا الطاقة.

    عندما "تتنفس" الشبكة بعمق بعد غروب الشمس، فإنها تفعل ذلك من خلال النحاس والفولاذ في محولات صُنعت لتقاوم. قد تكون الدورات الحرارية قاسية والتوافقيات معقدة، لكن العمل الهندسي يظل صامداً. وتحت نجوم الصحراء، يضمن حراس الشبكة الصامتون أن الشيء الوحيد الذي يتقلب هو الروح الإيمانية لهذا الموسم.

    Ramadan demandGCC load profileutility planningDEWAload forecasting

    مقالات ذات صلة

    القطاع

    5 مواصفات للمحولات تعمل على تحسين أداء مصافي دول الخليج

    بدءًا من المحولات ذات الجهد المتوسط/المنخفض غير المطابقة للمواصفات المطلوبة لمناطق ATEX، ووصولًا إلى التغاضي عن توافقيات الشبكة الكهربائية حسب شروط الشركة العُمانية لشراء الطاقة والمياه (OPWP)، نستعرض بالتفصيل خمسة أخطاء جسيمة في المواصفات الكهربائية التي تضيف المخاطر وتسبب التأخير في المشاريع الصناعية الكبرى في دول مجلس التعاون الخليجي.

    القطاع

    7 قرارات هندسية لتزويد مدينة خطية بطول 170 كم بالطاقة

    مشروع "ذا لاين" في نيوم هو أكثر من مجرد أعجوبة معمارية؛ إنه بمثابة حقل اختبار لطبولوجيا جديدة لشبكة الكهرباء. نستكشف الحلقة الكهربائية بجهد 380 كيلوفولت، وأنظمة تخزين الطاقة بالبطاريات (BESS) المدمجة، ومحطات ذروة الهيدروجين اللازمة لتزويد مدينة بطول 170 كم بالطاقة.

    القطاع

    4 دروس في بدء تشغيل المحركات لموثوقية محطات التبريد

    يمكن لمحركات المبردات (Chillers) الضخمة في محطات تبريد المناطق أن تسبب انخفاضات في الجهد على مستوى الشبكة وتلفًا للمعدات. في هذا المقال، نحلل الأربعة أخطاء الهندسية الشائعة في بدء تشغيل المحركات والتحكم في التوافقيات التي تؤدي إلى أعطال مكلفة.

    لديك مشروع في ذهنك؟

    فريق الهندسة لدينا جاهز لمناقشة متطلبات المحولات الخاصة بك.